الهجوم على السفارة الإسرائيلية …الدلالة والأبعاد

كتبهامحمد عبد الله ولد يب ، في 5 فبراير 2008 الساعة: 15:20 م

لاشك أن الهجوم الذي استهدف السفارة الإسرائيلية فجر الجمعة، والذي اهتزت العاصمة نواكشوط على وقعه زهاء عشرين دقيقة، كان بمثابة نزول الصاعقة بالنسبة للمسئولين وصناع القرار في هذا البلد. فبعد أيام قليلة من المقابلة التلفزيونية التي أجراها الرئيس الموريتاني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله مع قناة "العربية" نفي خلالها الرئيس احتمال وجود أي تنظيم "إرهابي" على أرض موريتانيا، دوت صيحات التكبير وطلقات الرصاص في قلب العاصمة نواكشوط لتجد السفارة الإسرائيلية نفسها على موعد طالما خشيت حدوثه.

 حادثة الهجوم حملت في ثناياها عدة رسائل محلية ودولية، وأماطت اللثام عن بعض الملابسات والتساؤلات العديدة التي تدور في الأروقة الإعلامية وكواليس الساسة، وألقت بظلالها على طبيعة الخطاب السياسي وتوجهاته العامة المفعمة بشعارات "الوحدة الوطنية" "عودة اللاجئين " تجريم العبودية…"

العملية حدثت في وقت دقيق بامتياز حيث ما تزال تبعات عمليتي ألاك والغلاويه في 24 و27 من شهر دجمبر حية في أذهان الرأي العام الذي أصيب بذهول ودهشة شديدين عقب تلك العمليتين التين لقيتا إدانة واسعة من طرف كل الأحزاب السياسية والشخصيات الفكرية والثقافية بمختلف توجهاتها ومشاربها الفكرية وشجبتها كل الفتاوى الشرعية من شتى المدارس والمذاهب الإسلامية وهى أحداث لاشك كانت كافية لوضع السلطات الموريتانية على المحك حيث كانت بمثابة إنذار لها كي تقوم بالإجراءات الضرورية والكفيلة لمنع تكرار ما حصل، غير أن تغلغل الفساد بأنواعه وتجلياته في أوصال ومفاصل المؤسسة الأمنية بالإضافة إلى مميزات الخطاب السياسي الذي اتسم في عهد الرئيس المنتخب بالانتقائية وتفضيل بعض القضايا على بعضها الأخر، حيث انصب اهتمام السلطات على ملفات بعينها أضحت لا تنفك تتحدث عنها وتعقد لها الورشات والندوات مما تسبب بالتالي في إهمال بعض القضايا الأخرى الخطيرة كملف "الإرهاب" الذي اعتبر مسالة مبالغا فيها حيث تم إخلاء سبيل المتهمين بالضلوع فيه ليتم التركيز على عملية عودة المبعدين حيث أجهد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله نفسه وكرس جهده وانفق المليارات من أجل عودة "إخواننا" في السنغال ومالي معتبرا طي تلك الصفحة من تاريخنا المعاصر مفتاحا للتنمية وضرورة حتمية للاستقرار السياسي، وهو محق في ذلك، لكن أن يتم التركيز على قضية بعينها على حساب ملفات لاسيما ذات الأبعاد الإنسانية فشظف العيش في أحياء الصفيح وصور الفقر المدقع الصارخ في الأزقة والشوارع مظاهر يندى لها الجبين وتتفطر لها الأكباد لما تبرزه من معاناة شعب ارتسمت على وجوه بسطاء أضحى حال الواحد منهم يكرر بعد غلو الأسعار وتفاقمها عبارة "اللهم سلم ..سلم" فكما هو معلوم فالفقر والجهل يشكلان أرضية خصبة للأفكار الطائشة والمتطرفة ويقوضان من جهود التنمية والاستقرار. فهل سيشهد إذا الخطاب السياسي تعديلا جديدا ويرتب الأوراق من جديد كي تتماشى ومتطلبات الواقع المعيشة للمواطن بعيد عن الاستئثار؟

ويضع في الحسبان إمكانية حدوث عمليات جديدة من طرف تنظيم القاعدة الذي يبدو انه أضحى يتبجح ويتحدى السلطات دون أن يسجل لها نجاحا فعلى الحكومة والسلطات الأمنية أن تعيد النظر في طبيعة معالجتها للقضايا وترتب الاهتمام بها حسب أهمية تلك الملفات بحزم حتى لا تبقى غارقة في دوامة الشعارات التي نعلم جميعا أن الحديث عنها ووضع هالة إعلامية حولها ليس بالطبع هو الحل المثالي لها .

وعلى ضوئي ما جرى في محيط السفارة الإسرائيلية يمكن أن نستخلص ثلاث فرضيات رئيسية أولهما أن الجماعات المسلحة باتت تتخذ من موريتانيا هدفا لها تحت ذريعة العلاقات مع الكيان الصهيوني مستغلة التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية وهو ما يضع السلطات الموريتانية في وضع لا تحسد عليه فقطع العلاقات في هذه الظروف الحرجة أضحى رضوخا للضغوطات الإرهابية وهو ما سيجلب لها عداوات غربية اخف صورها العزلة الاقتصادية ومنع الهيئات الدولية المانحة من تقديم مساعدات مالية فيما يبقى الخيار الثاني إبقاء العلاقة وهو ما سيضاعف من التدهور الأمني لاسيما في ظل الأجهزة الأمنية التي لم تظهر حتى الآن بسالتها وصلابتها المعروفة بها في تعاملها اليومي مع المواطن البسيط.
وبغض النظر عن مستقبل العلاقات مع الكيان الصهيونى وما ستؤول إليه فان ما تشهده الساحة السياسية والأمنية الموريتانية اليوم من أحداث متسارعة وحساسيات عرقية وطبقية متنامية عوامل رئيسة ستضاعف من أعباء الحكومة المثقلة أصلا بأزمات ما تزال حتى الآن عاجزة عن تقديم حلول جذرية لها.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر