حتى لاتصبح الدمقراطية نقمة علينا

كتبهامحمد عبد الله ولد يب ، في 24 فبراير 2008 الساعة: 09:28 ص

محمد عبد الله ولد يب     abdallahiyouba@yahoo.fr

 عندما يصبح أسلوب النهب والسطو المسلح خير وسيلة للعديد من شباب هذ البلد للحصول على دريهمات تافهة، وعندما تشيع الرذيلة وتنتهك الحرمات والأعراض وتصبح المرأة الموريتانية رمزا للبغاء والدعارة تمارسها دون استحياء حتى في الأماكن المقدسة، وإذا دأب المسئولون على الاختلاس والرشوة وأضحت الطائفية والعرقية خير وسيلة للحصول على مناصب عليا في الدولة وسبيلا مفضلا ينتهجه الكثيرين من أجل إثارة النعرات وإحداث شرخ في كيان هذ المجتمع الذي ظل متماسكا عند كل ذالك، كيف ترى إذا سيصبح مصير هذ الكيان الهزيل المنهك اقتصاديا وسياسيا؟.بل كيف سيصبح مصير ديمقراطيتنا الناشئة وسط تزايد الفقر المدقع الصارخ الذي أصبح يعبر عن نفسه في أشكال وصور عديدة حيث مظاهر العنف الذي يتخذ من الدين وسيلة لقتل الأبرياء وبروز العصابات المسلحة وشبكات المخدرات من أبرز الملامح التي أصبحت  تميز واقعنا الأليم.

في التاسع عشر من مارس سنة 2007 أحسست كما هو الحال بالنسبة العديد من الموريتانيين  بفرحة كبيرو وشعور بالفخر والاعتزاز ليس حبا في الرئيس الذي أختاره الشعب الموريتاني الذي لم يكن بالنسبة للكثيرين رجل التغير المناسب وإنما فرحا بديمقراطيتنا  الطارئة التي كنا جميعا نعقد عليها آمالا جساما وأحلاما عظاما  حيث الحفاظ على الخصوصية الفردية والجماعية ومنحها حقها المشروع فى التعبير عن ذاتها بالطريقة التي تراها مناسبة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية وإبعاد شبح الانقلابات العسكرية وإحداث تنمية اقتصادية من أبرز الأهداف التي كان الشعب الموريتاني يصبو إلى تحقيقها من تلك الديمقراطية  لكن ذالك الشعور بالفخر والكرامة ما لبث أن تلاشى أمام الأزمات العديدة التي مافتئت تعصف بهد البلد منذ ذالك التاريخ .

فما إن اكتملت مراسيم اللعبة وتسلم الرئيس المنتخب مهامه حتى بدأت تضفوا على السطحي العديد من القضايا الشائكة والملفات المعقدة، ملأت الساحة السياسية والإعلامية صراخا وضجيجا وشغلت بال المفكرين وأقلام الكتاب وأثارت مزيدا من جراح الماضي وتعقدات الحاضر دون أن يتم تقديم حلول مناسبة لها .

صحيح أن الديمقراطية تدعو إلى الحفاظ على التنوع داخل المجتمع عن طريق الحفاظ على خصوصية الأقليات الإثنية والعرقية لكنها تسعى في جوهرها إلى التكامل ودمج مختلف تلك الطوائف في بوتقة واحدة سعيا إلى البناء والتشييد بدل التشرذم والتفرقة .

ما يهدد مصير الديمقراطية في هذ البلد هو أنها لما تزل مرتبطة بالشعارات، ومستوى الوعي بها حتى عند النخبة السياسية مازال ضعيفا، ناهيك عن شرائح عديدة من هذ المجتمع التي ليست لديها أدنى صورة عن المبادئ والمثل الديمقراطية بل أصبح العديد من تلك الشرائح يعتقد أن الديمقراطية هي شان داخل يخص الأحزاب السياسية، الشئ الذي يفسر حنين تلك الجماهير إلى عهد الدكتاتورية رغم ما يرمز إليه ذالك العهد من نكبات أليمة ومعاناة شنيعة لا نريد إثارتها هنا، لذا فلا بد للديمقراطية أن تمس الحياة اليومية والمعيشية للمواطن البسيط بدل التحديق  في سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وتكف الأحزاب السياسية عن تقليدها لبعض أساليب الدول الغربية  البعيدة عنا سياسيا وفكريا وحتى اقتصاديا.

صحيح أننا جميعا نطالب بتحرير ما تبقى من العبيد تحت الرق وندعوا بقوة إلى  عودة اللاجئين في مالي والسنغال لكننا في نفس الوقت نحس بتخوف مشروع ونضع علامات استفهام عديدة  حول طبيعة التعاطي مع مثل هذه الملفات فلا أحد يرغب في توطين السنغاليين على هذه الأرض كمالا يجب استخدام ملف العبودية من طرف أشخاص للمتاجرة ووسيلة للحصول على مكاسب سياسية عجزوا بمهارتهم وكفاءتهم عن تحقيقها.

فالأطماع السياسية للأحزاب المعارضة والموالية للسلطة على حد سواء وتهافتها للحصول على أكبر قدر من المقاعد في البرلمان سبيلا للوصول إلى سدة الحكم أضحت هي الرسالة المقدسة لأغلب هذه الأحزاب و في سبيلها يمكن التنازل عن الكثير من المبادئ التي قلت في هذ الزمان .

أما آن لألئك السياسيين أن يستيقظوا من سباتهم العميق ويلتفتوا إلى معانات الشباب الموريتاني الذين امتلأت قلوبهم حسرة ومرارة أسفا على ما لحق بمصيرهم فبعد ليالي وسنوات الغربة الموحشة التي قضوها في الخارج من أجل التحصيل أملا في المساهمة في بناء وتشييد هذ الوطن المسكين وجدوا أنفسهم في أوضاع قاسية دفعت الكثيرين منهم إلى السفر إلى الخارج بحثا عن لقمة العيش، أما آن لألئك السياسيون أن يضعوا في الحسبان  أن الغالبية من هذ الشعب تعانى أوضاعا مادية صعبة ينبغي إثارتها وتقديم الحلول المناسبة لها بدل التخندق وراء قضية واحدة بعينها ووضع هالة إعلامية حولها واعتبارها المفتاح الرئيسي لجميع مشاكلنا الاقتصادية والسياسية.

 صحيح أن تلك القضايا الشائكة  يجب حلها بطريقة هادئة وسليمة لكن أن تبقى النخبة السياسية رهينة لها وضاربة عرض الحائط  بجميع القضايا الأخرى التي ربما تكون أكثر إلحاحا وخطورة على مستقبل هذ البلد.

ما نحتاجه اليوم هو شحذ الهمم وتكاثف الجهود من أجل  انتشال هذ البلد من براثين الانحطاط الفكري والتخلف الاقتصادي الذي يعيشه فما آلت إليه الأوضاع  المعيشية لمختلف شرائح المجتمع ينذر باندثار التجربة الديمقراطية التي بدأت تتصدع وسط صراخ وأنات المرضى والمعوزين الذين لا يجدون من يقدم لهم المواساة التي تغمض الجراح وتشرح الصدور، فغياب السياسات الحكومية  الواضحة للتخفيف من وطأة الفقري وتواطئها مع رؤؤس الأموال على حساب غالبية هذ الشعب من أبرز العوامل التي تساهم في تقويض تجربتنا الديمقراطية التي يجب إلا يدفعنا التحمس والاندفاع الزائد لبعض القضايا إلى تهديد تلك المكاسب الديمقراطية، التي نعلم جميعا أنها ما تزال هشة حتى لا تصبح هذه الديمقراطية حقبة بين دكتاتوريتين وهو ما أصبح العديد من المراقبين يخشاه.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر